علي الهجويري

421

كشف المحجوب

النفي والإثبات والفرق بينهما اعلم أن أهل هذا الطريق قد وضعوا اسمى للنفي والإثبات لمحو الصفات الآدمية بإثبات التأبيد الإلهى فهم يشيرون بالنفي إلى محو الصفة الآدمية ، ويعنون بالإثبات تأبيد سلطان الحق لأن المحو فقد كلى والنفي الكلى لا ينطبق إلا على الصفات فقط ، لأن نفى الذات محال مع وجود كليتها ولزم على ذلك أن تمحى الصفات الذميمة بإثبات الأوصاف المحمودة أعنى أن دعوى محبة الله تفنى بإثبات الحقيقة ، لأن الدعوى من عجب النفس . أما الصوفية فإنه متى تغلب على صفاتهم سلطان الحق يقولون عادة أن الصفات الإنسانية انتفت بإثبات وجود الحق ، وقد فصلنا هذا الموضوع في باب الفقر والصفوة ، وفي باب الفناء والبقاء ، ويقولون أيضا بأن هذه الكلمات تشير إلى نفى مراد الإنسان وإثبات مراد الله تعالى ، لذلك فقد قال أحد الصالحين : « اختيار الحق لعبده مع علمه بعبده خير من اختيار عبده لنفسه مع جهله بربه » لأن المحبة في عرف الجميع هي نفى مراد المحب بإثبات مراد المحبوب . وقرأت في بعض الآثار أن درويشا كان يغرق في البحر فناداه بعضهم أيها الأخ تحب أن تنجو فقال لا ، فقال تريد أن تغرق فقال لا ، فقال أنه من الغريب أنك لا تريد أن تموت أو تنجو فقال له الدرويش ما الذي أريده بنجاتى إن مرادي فيما أراده . وأهل المعرفة يقولون : إن نفى اختيارك هو أقل درجة في المحبة وأما اختيار الله تعالى فأربى ويستحيل أن ينفى بينما إن اختيار الإنسان عرضى وقابل للنفي ويلزم أن يوطأ بالأقدام حتى يبقى اختيار الله تعالى أبد الآبدين . فموسى عليه السلام حين كان في حال البسط على الجبل تمنى رؤية